ملحمة الخليقة البابلية تعتبر أحد الوثائق الهامة في دراسة تاريخ الفترة التي كتبت فيها , على أساس إنها تخبرنا عن تنظيم آلهة العالم الأكثر قدما , وطريقة حكمها , وتدلنا على طريقة الإعمار والأقدار , وتعلمنا كيف خلقت البشرية .
تبدأ الملحمة بوصف العماء الذي كان سائدا في الكون قبل عملية الخلق :
حينما في العلا لم يكن للسماء اسم وفي الدنا لم تكن الأرض شيئا مذكورا
ولما لم يكن في البدء غير آبسو أبوهم والأم تيامة التي ولدتهم جميعا وكان ماءاهما ممتزجين معا ولم تكن اليابسة ,
بل ولا ضحضاح يرى ولم يكن أي من الآلهة قد ولد بل ولا ذكرت أسماؤهم , ولا كتبت أقدارهم وتتابع الأسطورة في مكان آخر :
عندئذ تكونت الآلهة فيهم
إنه وصف للهيولي التي كانت تتألف منه ثلاثة عناصر متداخلة : ( آبسو ) ممثل المياه العذبة ,
و ( تيامة ) أو ( تيلمة ) ممثلة لمياه البحر المالحة
و ( ممو ) الذي لا يعرف بالضبط ماذا يمثل ، ويرجح أنه يمثل السحب والضباب .
كونت العناصر الثلاثة بامتزاجها كتلة واحدة فبعد الاتصال الجنسي بين ابسو و تيامة يخلق ( لخمو ) و ( لخامو ) الذين ينجبان (أنشار) و (كيشار) الذين ينجبان (أنو) آلهة السماء الذي ينجب (نوديموت) وهو الاسم الآخر لإنكي أو آيا الهة المياه الذي يمثل الأرض ويسودها . وبتزايد الأبناء وحركتهم وخاصة عند الرقص , ينزعج آبسو لاختراق السكون فيقرر القضاء عليهم بواسطة (ممو)
أجل يا أبى اقضي على صنيعهم المزعج فتنل بذلك الراحة بالنهار والنوم في الليل
فتهلل وجه آبسو لهذا القول بسبب الشر الذي دبره ضد الآلهة
ولكن آيا أنكي الحكيم يتوصل إلى معرفة ما دبرته أبسو ويخبر اخوته الآلهة الذين يستعدون ويقتلون ابسو ويعتقلون ممو .
أيها العالم بكل شيء أدرك خطتهم فكون وأقام إزاءها تشكيل الكون ,
وصنع بفائق مهارته ( رقيته القدسية ) تلاها ثم ألقى بها على الماء (على آبسو ) فصب النوم عليه فأغرقه في السبات تثأر تيامه لموت زوجها وتهيئ جيشا من حيوانات ( كلاب وأفاعي غريبة الشكل ) بغرض الانتقام وتعين ( كنغو ) قائدا وتسلمه لوح الأقدار .
وفي تلك الأثناء وفي المنزل الذي أقيم فوق جسد أبسو يولد الإله ( مردوخ ) الذي طلب من الآلهة سلطات استثنائية لمجابهة جيوش تيما
ويتم له ذلك وينتصر ,
قسم جسد تيامه إلى نصفين أحدهما إلى الأعلى ليصير السماء
والآخر إلى الأسفل ليصير الأرض .
وقبل أن يعود مردوخ إلى معبده في بابل خلق من دم ( كنغو ) الممزوج بطين من الأعماق " الإنسان " الذي سكن بين الأرض والسماء ليخدم الآلهة .
ملحمة الخليقة البابلية تعتبر تطورا في نظرة الرافدي إلى الكون .
ولما كانت موادها وأفكارها مبنية على الأصل السومري دعا ذلك إلى القول بأن كهنة بابل تناولوا القصص و الأدب السومري , استبدلوا فيه الكثير وأبدلوا ( أنليل ) بمردوخ .
ويشكل العنف بنية الملحمة فيبين إن عملية الخلق تمت بعد صراع بين الآلهة .
ورغم إنها أدب كهنوتي وفلسفة دينية فانها تعتبر قصة التكوين الرسمية الحكومية وهكذا يجري تقويم درجتها في كل عصر . تنطلق الملحمة من حاجيات المجتمع البابلي لذا يعاد تمثيلها كل عام بحضور الملك لإسباغ القدسية على الطبقة الحاكمة .يمثل مردوخ قمة التطورات في المعتقدات الدينية رغم إنه لا يمثل قيم أخلاقية كما في الديانات السابقة .
أبد ل الآشوريون الأسطورة لتتناسب والدولة الجديدة ليصير الإله مردوخ ..... أشور وهناك تشابه بين بعض أحداثها وسفر التكوين .يتضح لنا مما سبق أن الأسطورة نظام فكري متكامل استوعب قلق الإنسان الوجودي وتوقه إلى كشف ألغاز الكون المحيط به ورسم لوحاته التي يروم منها تكاملية الوجود . فعملية الخلق إستخلاص النظام من حالة الفوضى أي ( العدم ) والتي تعتبر المخاض لكل عملية تختلف في شدتها وحدتها وألهتها المبدعة وتبتغي حالة من النظام بعد فوضى كبيرة ( قبل وما بعد الطوفان ) .