الأحد، 21 ديسمبر 2008

ملحمة الخلقية البابلية :

إنها أكمل قصة بابلية عن أصل الوجود وخلق الإنسان، تتكوّن من ألف سطر من الشعر البابلي،
وما جاء فيها من نصوص عن المرأة والرّجل يمثل مجالا مفتوحا للقراءة والتأويل.
نقرأ في هذه الملحمة أن "تيامة" الأنثى تجهز جيشا عظيما بقيادة كنكو (KUNGO) الإله الوحش، لتحارب من خرج عن طوعها من أبنائها. ومن افتك منها سلطة الخلق،
وعبارة النص هي : "سلحتم أيضا بأسلحة لا تقهر، تولد ثعابين مخيفة، أسنانها حادة، وأنيابها مهلكة، وملأت أبدانها بالسم بدل الدّم، وألبست الرعب وحوشا مخيفة، وجللتها بالمهابة، وجعلتها كالآلهة، فمن ينظر إليها يهلك من الرعب، صنعت الأفعى والتنّين، والأسد الهصور، والكلب العقور، والإنسان العقرب ... وكان مجموع ما خلقت أحد عشر نوعا من العفاريت"
ولما علمت بقية الآلهة بما عزمت عليه الآلهة "تيامة" ارتاعوا واختاروا لها الابن الأصغر "مردوخ" فخرج لقتالها، وعند لقائها قال لها : "أنت! أنت التي أعليت شأنك بنفسك، لقد حثّك قلبك لإثارة الحرب .
وادعيت لنفسك سلطانا إلهيا فوق قدرك وأعظم من سلطان "آنو" (ANU) المقدّس.
ولانتشار ملك الآلهة أردت الشرّ. وعلى الآلهة آبائي وجهت خبثك".
لاحظ هنا حبّ سيطرة الذكر على الأنثى ، إنه يرفض أن تعلى من نفسها بنفسها، مخافة أن تصبح ندّا له، أو تتفوق عليه فتزحزحه من عليائه. كما أنه سينقص من حكمتها وتدبيرها حين يرجع تصرّفاتها إلى العاطفة لا إلى العقل "لقد حثك قلبك لإثارة الحروب"، وبما أنها حكّمت العاطفة فنهايتها الهزيمة في رأي الرّجل.
أما ما أظهرته من مقاومة ضدّ الآلهة الذكورية التي افتكت منها عملية الخلق لتصبح فمية بعد أن كانت فرجية، فإنه فسّر على أنه عدوان وشرّ، وتجاوز الحدود الطبيعية للمرأة، وللنظم الاجتماعية، "ادّعيت لنفسك سلطانا إلهيا فوق قدرك وأعظم من سلطان آنو.. وأردت الشر.." فهي تستحق القتل بما أذنبت وهو ما فعله مردوخ بها.
فلماذا ينتصر "مردوخ" على "تيامة" الآلهة؟
تصوّر الأسطورة "مردوخ" على أنه رجل العقل والحضارة، استخدم في قتالها تقنيات الحرب (الرمح، والقوس، والهراوة، والشبكة)، أما "تيامة" فقد استخدمت الطبيعة، لأنها غير متحضّرة (كلب عقور، أسد هصور، أفعى، ثيران هائجة). ومن غير شك فإن الحضارة تنتصر على الطبيعة.
ونرى المرأة ذلك الكائن الّذي تمرّد على بنيته الجسدية الأنثوية العاجزة عن قيادة الجيوش، وجاءت عبارة "مردوخ" ساخرة عندما قال لجدّه "نشاز" ملك الآلهة :"أتيامة !وهي امرأة هي القادمة عليك بالسلاح". وتعبر كلمته هذه عن امتهان للأنثى، وترسيخ لدونيتها، وتعود الدّونية إلى أنها أنثى أوّلا، وإلى أنها تجاوزت ما حدّده لها النظام الاجتماعي ثانيا، والعنصران يؤكّدان على تكريس أنثوية وثانوية المرأة لصالح المجتمع الذّكوري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق